الآن و بعد كل هذه السنين المتخمة بالشعر و القصائد و الشروح و التعليقات , لازال السؤال الأول قائما ً , كما هو , بلا إجابات حقيقية أو حدود واضحة ..
ما هو الشعر ؟
أو بمعنى أصح , ما هو الحد الفاصل بين الشعر و اللا شعر..
قرأت السؤال أو سمعته مرات تفوق قدرتي على التذكر أين و لم َ و ماذا كانت الإجابة تحديدا أو ماذا كان انطباعي عنها في كل مرة
إلا إنني استمعت جداً بمقالة الدكتور عبد العزيز موافي , المنشورة في العدد الأخير (يناير 2007) من مجلة الثقافة الجديدة , و التي تتتبع بشكل منهجيّ تعاريف الشعر المتعددة بناءا على ترتيبها الزمني و بشكل تحليلي أنيق و بسيط..
إذ تبدأ المقالة بإيراد تصوّر "قدامة بن جعفر" في كتابه " نقد الشعر" ليكون أول من وضع تعريفا للشعر خاضعا للملاحظة العلمية إذ يقول :
" قول موزون مقفى , يدل على معنى "
و يعلق د . عبد العزيز موافي على تعريف بن قدامة : " و بذلك نــَجَم نوع من الانعكاس الشرطيّ بين كل من الشعر و الموسيقى , فلا يذكر الشعر دون أن يستدعى _ضمنيا_ ذكر موسيقاه , على اعتبار أنه قد أكّد على الظاهرة الصوتية (الوزن و القافية ) بنفس تأكيده على الظاهرة التعبيرية (اللفظ و المعنى ) " بل و يواصل د.عبد العزيز الإشارة إلى تعزيز مكانة الموسيقى في الشعر خلال وصف الشعر أولا و قبل كل شيء بالموزون المقفى , قبل وصفه بالدال على معنى , أي أن ترتيب عناصر الشعر في تعريف بن قدامة لم يكن "مجانيا أو ناجم عن الصدفة أو الضرورة الأسلوبية " كما يقول د. موافي ...
نجد أن هذا التعريف ظل المرجعية الأكثرصدقا لدى كل البلاغيين و النقاد و الشعراء إلى حد رفعه إلى مقام البديهيّ أو المسلم به , فجاءت كل لتعريفات التالية لابن قدامة لتؤكد على ذات المفهوم , مثل تعريف ابن فارس للشعر و كذلك ابن طباطبا العلويّ في كتابه "معيار الشعر " :
" كلام منظوم , بائن عن النثر الذي يستعمله الناس في مخاطباتهم , بما خص به النظم , الذي إن عدل عن جهته مجتّه الأسماع و فسد على الذوق "
أما ابن رشيق فقد خالف سابقيه بإعادة ترتيب لعناصر الشعر كالتالي :
" الشعر يقوم _بعد النية_ من أربعة أشياء و هي : اللفظ و المعنى و الوزن و القافية , وهذا هو الشعر "
في إعادةٍ للاعتبار للظاهرة التعبيرية و مكانتها في ترسيم حدود لازمة للشعر ..
أما حازم القرطاجني فيقول في متابعة لأري ابن رشيق :
" كلام مخيل موزون , و مختص في لسان العرب بزيادة التقفية إلى ذلك و التـئامه من مقدمات مخيلة , صادقة كانت أم كاذبة , لا يشترط فيها بما هي شعر غير التخييل "
و التخييل هنا _ كما يورد د . موافي _ هو عنصر جديد أضافه القرطاجني لعناصر الشعر اللازمة , وإن لم يذكر المعنى في دلالة على بداهة أو منطقية وجوده , لكنه هذه المرة قدّم التخييل (الخيال الشعري) على موسيقى الشعر, بل وضعه حدّ أساسي ّ يفصل بين الشعر و سواه ..
أما ابن خلدون فيقول :
" الكلام البليغ المبني على الاستعارة و الأوصاف , المفصّل بأجزاء متفقة في الوزن و الروي , مستقل كل جزء فيها في غرضه و مقصده عما قبله و بعده , الجاري على أساليب العرب المخصوصة به "
و بغض النظر عن موضوع استقلال الأجزاء , فهو أيضا يقدم الخيال الشعري على العنصر الإيقاعي كما فعل القرطاجني و ابن رشيق ..
و على ما يبدو فإن مسألة "موسيقى الشعر " تم تبنيها على مدى قرون بشكل يقترب من التسليم المطلق , دون أن يكون هناك شرطا ملزما مثلا أو نصا مقدسا يعلن ارتباط الشعر الأبدي بموسيقاه , إلا ما جرت عليه عادة العرب أو ورد عنها من قصائد أو معلقات أو أبيات مفردة..
إلا أن د.موافي يفاجئني قرب نهاية مقالته بإيراده عدة آراء لفلاسفة المسلمين في القضية
منها رأي ابن سينا عن الشعر بأنه :
" كلام مُخيّل موزون , مؤلف من أقوال موزونة متساوية , و عند العربِ مقفاة , و معنى كونها موزونة أن يكون لها عدد إيقاعي , و معنى كونها متساوية هو أن يكون لكل قول منها مؤلفا من أقوال إيقاعية , فإن عدد زمان الأولى مساو لعدد زمان الأخرى "
أي أنه كما يشير د.موافي يسقط الوزن و يضع الإيقاع في مرتبة أعلى , بمعنى أخر , لا يقرر الوزن كشرط للشعرية ِ , و لكن كعنصر من عناصرها فقط ..
يقول ابن سينا في موضع أخر :
" قد يعرض لمستعمل الخطابة ِشعرية ٌ , كما يعرض لمستعمل الشعر خطابية ٌ وهو لا يشعرُ , إذا أخذ المعاني المعتادة و الأقوال الصحيحةِ التي لا تخييل فيها و لا محاكاة , ثم يركبها تركيبا موزونا , فإنما يغتر بذلك البله , و أما أهل البصيرة فلا يعدون ذلك شعرا ً , فإنه ليس يكفي الشعر أن يكون موزونا فقط .. "
يعلق د. موافي :
" و من المؤكد أن نظرة ابن سينا هنا متقدمة جدا في إطارها الزمني , إذ اعتبر أن الموسيقى ليست أكثر من عنصر داخل شعرية النص , لكنها ليست أساس تلك الشعرية "
يؤكد ابن سينا ذلك في موضع أخر :
" فضيلة القول الشعري و قوة تأثيره إنما تكمن في اللفظ فقط , فالشاعر حين يقدر أن يخيل باللفظ وحده من غير حاجة إلى الغناء و التلحين , اعتدّ لصنعه و أعجب به و استوجب عليه الإحماد " !
إلى هنا بدا لي أنني لا أقرأ لابن سينا بل لأدونيس ربما أو لأحد النقاد المتحيزين لشرعية الأشكال الشعرية الجديدة كقصيدة النثر ..!
أما عن الفارابي فيقول :
" و الجمهور و كثير من الشعراء إنما يرون القول شعرا متى كان موزونا , و ليس يبالون أكانت مؤلفة مما يحاكي الشيء أم لا ...و القول إذا كان مؤلفا مما يحاكي الشيء و لم يكن موزونا ًبإيقاع فليس يعد شعرا ً , و لكن يقال هو ( قول ٌ شعريّ ) "
و يبدو الفارابي في رأيه متحفظا تجاه ما يصفه بالقول الشعريّ , الذي تكتمل فيه عدّة الشعر الأساسية و الرئيس : التخييل / الاستعارة و الأوصاف / الشاعرية , دون "الوسيلة " أو "المطية " : الوزن / الإيقاع ...
إذ ليس القول الشعري إلا الشعر و إنما لم يكن أمام الفارابي نموذج معرفيّ يحيل إليه ما وصفه بالقول الشعريّ المختلف عما قالت العرب..
مقالة شهية :)