لكن المثير للدهشة حقا هو تلك الأصولية الفنية التي تذيع في أجواء معينة , مثل بعض منتديات الإنترنت التي صارت تحذف براحة بال من ساحات الشعر أي قصيدة لا تنطبق عليها قواعد الخليل ابن أحمد ..
يقول المثل : من حكم في مالهِ فما ظلم ! , إلا إنني أفكر بعجب حقيقي عن جدوى ذلك , إذ لا علاقة لتلك الرقابة الأبوية بالإخلاص للشعر الموزون و لا ذلك سيؤدي إلى طرد قصيدة النثر من حديقة الشعر , أما عن الذين تفرض عليهم هذه المنتديات وصايتها الأدبية فيمكنهم أن يقرأوا قصيدة النثر و يكتبوها في أماكن أخرى أكثر تسامحا و تفهما لطبيعة الفن الحرّة في المقام الأول , و بذلك تخسر هذه المنتديات جزءا كبيرا من جمهورها بلا سبب واضح..
أيضا الجماعات الأدبية الجديدة في مصر , التي تتكاثر بشكل ضخم دون مشاريع حقيقية أو أهداف واضحة تفصل هذه الجماعة عن تلك مما جعل الكثيرين أعضاء ً في مجموعتين أدبيتين أو أكثر في ذات الوقت , ينتشر الرفض المعلن و غير المعلن لقصيدة النثر , بل يندر وجود شاعر واحد في قلب تلك الضجة يكتب شعر النثر ..
ذلك بينما يتراجع في الوقت نفسه القيمة الأدبية لإنتاج هذه الجماعات , أذكر أني ذكرت رأيي أمام واحد من أهم النقاد المصريين الحاليين الذي اطلع على كثير من إنتاج الجماعات الأدبية فقلت بأن إنتاجهم تقليديّ جدا , لا يحمل في داخله بذور للتجديد في الشعر سواء الموزون أو غيره , فأكد لي ما ذهبت إليه دون أن نتطرق إلى رأيه في قصيدة النثر أو إن كان عزوفهم عنها سبب في ذلك أم لا , بل ذلك إن دل فإنما يدل على خوف حقيقي من التجريب و البحث المحموم إلى الاعتراف الذي يصعب الحصول عليه دون المرور بهيراركية الشعر المقدسة !
تلك التي تصف الشاعر المُجيد بالقادر على المرور في الشعر عمودا فتفعيلة فنثرا !
و إلا فشاعريته منقوصة و غير أصيلة , إن بدأ نثرا دون الحصول على صك العموديّ و التفعيلة
و في ذلك تقدير مبالغ فيه للقدماء و تراثهم من ناحية , و من ناحية أخرى وهم ذائع عن أن القادر على العموديّ لابد يبدع في التفعيلة, و القادر على التفعيلة هو الذي يمر إلى النثر طاهرا لا شية في شعره
وهو ما لا أجد عليه دليل ولا حجة , بل أشك في وجود قصيدة عمودية كتبت حديثا يمكن اعتبارها وليدة عصرها أو معبرة عنه دون الوقوع في تعسف الوزن و سطوة اللغة..
و في رأيي الشخصي , أن قصيدة النثر هي أكثر أنواع الشعر احتياجا إلى الموهبة , دون التقليل من شأن التفعيلة أو عمود الشعر , لاعتقادي أن لكل شكل فني وظيفة ما , تنتهي أو تستمر فتفترض استمرار أو زوال الشكل الفني في التعبير عن عصره و حاجة معاصريه..
و في قصيدة النثر يقف الشعر وحده دون كل ما قد يتم الإتكاء عليه لتمرير القصيدة من وزن و قافية و إيقاع متناسق مؤثر و ألفاظ رنانة..
ولا أتحدث هنا عن مجرد (القدرة ) على كتابة قصيدة بلا وزن أو قافية مع مراعاة فروق التوقيت في اللغة و الوصف , بل عن كتابة قصيدة نثر (حقيقية) , ذات قيمة أدبية و فنية ..
بالضبط مثلما يتم الحديث عن كتابة قصيدة تفعيلة أو عمودية أصيلة , دون كل ذلك الزخم العاديّ الرتيب الموزون الذي يمكن إجادته بكل بساطة بعد إتقان العروض بشيء من المثابرة ثم مدوامة الكتابة على نسج ما يتم قراءته أو نسخه بشكل دوريّ , أي لا أعني القدرة المجردة بل القدرة على الإبداع
لذلك لا أعتقد أبدا أن الشكل هو المشكلة , بل المحتوى و الأسلوب ..
و لا أعتقد أن رنة الإيقاع فقط هي التي ستحمل الكلمة من اللاشيء إلى الشعر , إذ أوقن أن للشعر وظيفة أرقى من التسلية الحسية للأذن , يمكنه إن توافرت , أن يتخلي عن كل حلياته القديمة ليواجه الناس صادقا و حقيقيا بوجهه الحر..
No comments:
Post a Comment